أحمد بن علي القلقشندي
94
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولما قضى اللَّه بالوفاة النّورية ، وكنّا في تلك السنة على نيّة الغزو ، والعساكر قد ظهرت ، والمضارب قد برزت ، ونزل الفرنج بانياس وأشرفوا على احتيازها ، ورأوها فرصة مدّوا إليها يد انتهازها ، استصرخ بنا صاحبها للممانعة ، واستنهضنا لتفريج الكرب الواقعة ، فسرنا مراحل اتّصل بالعدوّ أمرها ، وعوجل بالهدنة الدّمشقيّة التي لولا مسيرنا ما انتظم حكمها ولا قبل كثيرها ولا قليلها ؛ ثم عدنا إلى البلاد فتوافت إلينا الأخبار بما الدولة النّوريّة عليه من تشعّب الآراء وتوزّعها ، وتشتّت الأمور وتقطَّعها ، وأن كلّ قلعة قد حصل فيها صاحب ، وكلّ جانب قد طمح إليه طالب ؛ والفرنج قد بنوا بلادا يتحيّفون بها الأطراف الإسلامية ، ويضايقون بها البلاد الشاميّة ، وأمراء الدولة قد سجن أكابرهم وعوقبوا وصودروا ، والمماليك الذين للمتوفّى أغرار خلقوا للأطراف لا للصّدور ، وجعلوا للقيام لا للجلوس في المحفل المحصور ، وقد مدّوا الأعين والأيدي والسّيوف ، وساءت سيرتهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، وكلّ واحد يتّخذ عند الفرنج يدا ، ويجعلهم لظهره سندا ، ويرفع عنهم ذخيرة كانت للإسلام ، ويفرّج لهم عن أسير من أكابر الكفّار كان مقامه مما يدفع شرّا ، ولا يزيد نار الكفر جمرا ، وإطلاقه يجلب قطيعة تقوّي إسلاما وتضعف كفرا ، فكثرت إلينا مكاتبات أهل الآراء الصائبة ، ونظرنا للإسلام ولنا ولبلاد الإسلام في العاقبة ، وعرفنا أن البيت المقدّس إن لم تتيسّر الأسباب لفتحه ، وأمر الكفر إن لم يجرّد العزم في قلعه ، وإلا ثبتت عروقه ،